يروي ويليام كريستو وعباس عبد الكريم ولوسي سوان تفاصيل عمليات تدمير واسعة نفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث فجّر منازل بكاملها بعد زرع متفجرات فيها، ما أدى إلى محو قرى كاملة من الوجود. تكشف الشهادات والمقاطع المصوّرة حجم الدمار الذي طال مناطق حدودية، وتبرز معاناة السكان الذين فقدوا بيوتهم وذكرياتهم في لحظات.
تنقل صحيفة الجارديان صورة ميدانية مدعومة بتحليل مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية، تظهر تفجيرات جماعية في قرى مثل الطيبة والناقورة ودير سريان. تشير التقارير إلى أن هذه العمليات تأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إفراغ مناطق كاملة من سكانها، وسط مخاوف حقوقية من تكرار نمط الدمار الذي شهدته غزة.
تدمير ممنهج للقرى الحدودية
يعمد الجيش الإسرائيلي إلى تفجير المنازل بشكل جماعي عبر عمليات تفجير عن بُعد، ما يؤدي إلى تسوية أحياء كاملة بالأرض. استندت هذه العمليات إلى تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي الذي دعا إلى تدمير جميع المنازل في القرى الحدودية، مستندًا إلى نموذج سبق تطبيقه في غزة.
يصف باحثون هذا الأسلوب بمصطلح “تدمير المساكن”, حيث يُستخدم كأداة لجعل المناطق غير صالحة للحياة. تدّعي إسرائيل أنها تستهدف بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله، مثل الأنفاق والمواقع العسكرية المخبأة داخل مناطق مدنية، إلا أن حجم الدمار يثير تساؤلات حول مدى التناسب والضرورة.
تخطط إسرائيل كذلك لإنشاء “منطقة أمنية” تمتد حتى نهر الليطاني، مع منع السكان النازحين من العودة إلى منازلهم قبل ضمان أمن المناطق الشمالية داخل إسرائيل، ما يعزز مخاوف من تهجير طويل الأمد.
اتهامات بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي
تحذر منظمات حقوقية من أن هذه العمليات قد ترقى إلى جرائم حرب، نظرًا لحظر القانون الدولي تدمير الممتلكات المدنية دون ضرورة عسكرية ملحّة. يؤكد باحثون أن استخدام بعض المباني لأغراض عسكرية لا يبرر تدمير قرى كاملة.
يرى مراقبون أن هذا النمط يعكس تصعيدًا في طبيعة العمليات العسكرية، حيث يتجاوز استهداف مواقع محددة إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية. يفتح هذا التحول بابًا واسعًا للنقاش حول حدود القوة العسكرية، ومدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني.
قصص إنسانية: حين تُمحى الذاكرة
يصف سكان القرى لحظات مشاهدة تدمير منازلهم بأنها صدمة لا تُحتمل. يقول أحمد أبو طعام، وهو صاحب متجر في الطيبة، إنه شاهد ساحة البلدة تنفجر أمام عينيه، لتنهار معها سنوات من العمل والذكريات، ويشعر منذ تلك اللحظة بأنه أصبح لاجئًا بلا مأوى.
يستعيد الرجل ذكريات عودته بعد حرب سابقة، حين أعاد بناء متجره بحماس رغم الدمار، لكنه يؤكد أن المشهد هذه المرة مختلف: “اختفى كل شيء”.
يحكي أحمد إبراهيم، وهو مزارع من دير سريان، عن حياته البسيطة التي عاشها داخل قريته، حيث لم يبتعد يومًا أكثر من بضعة كيلومترات عن منزله. يعبّر بحزن عن حرمان أطفاله من فصل الربيع في قريتهم، حيث اعتادوا قطف الزهور وقضاء أمسيات هادئة في الحقول.
يروي طبيب يُدعى محمد هاشم قصة بناء فندق “لونا” في الناقورة بعد سنوات طويلة من العمل، قبل أن يدمَّر بالكامل. يصف الفندق بأنه مشروع عائلي استقبل زوارًا من مختلف أنحاء العالم، ويؤكد أن فقدانه لم يكن مجرد خسارة مادية، بل ضياع لجزء من حياته.
القرى كجذور وهوية
مثّلت قرى الجنوب اللبناني عبر عقود نقطة ارتكاز للعائلات المنتشرة في المهجر، حيث اعتاد المغتربون العودة إليها خلال العطلات، لتتحول إلى مركز للذكريات والانتماء. يشير السكان إلى أن هذه القرى لم تكن مجرد أماكن للسكن، بل مساحة للهوية والحنين.
يؤكد أبو طعام أن كثيرين بنوا منازل فاخرة لقضاء أيام قليلة سنويًا، فقط للحفاظ على ارتباطهم بالمكان. أما اليوم، فيشعر كثيرون بأن هذا الرابط قد انقطع، مع اختفاء القرى بالكامل.
تكشف هذه الأحداث عن مشهد يتجاوز الدمار المادي إلى محو الذاكرة الجماعية. لا تقتصر الخسارة على المنازل، بل تمتد إلى التاريخ الشخصي والعائلي لسكان هذه القرى. وبين روايات الأمن والمخاوف الحقوقية، يظل المدنيون هم الحلقة الأضعف، يواجهون واقعًا يعيد تشكيل حياتهم بالقوة، ويتركهم أمام سؤال قاسٍ: أين يمكن أن يبدأوا من جديد؟
https://www.theguardian.com/world/2026/apr/12/how-israeli-offensive-destroyed-entire-villages-in-lebanon

